الأرض الطيِّــــــبة
مقالات عن الإدارة، الاقتصاد، السياسة، التكنولوجيا.. والفن.. والحب.. والحياة..
لعنة الفراعنة
بسم الله الرحمن الرحيم..

كنا نحتسى القهوة تحت شمس دلهى الدافئة ونتحدث متشاغلين عن ضجيج السيارات فى الشارع وعن نداءات بقية زملائنا للاستعداد لقدوم الحافلة التى كانت ستقلنا عائدين إلى الفندق بعد يوم حافل. لا أذكر كيف بدأنا، ولكن زميلى الإيطالى كان يحكى لى عن روما وآثارها القديمة وتطرق الحديث إلى أنطونيو وكليوباترة ثم إلى الفراعنة وحضارتهم العظيمة. عندها تعجب زميلى: "كيف لبلد مثل مصر التى وجدت على أرضها مثل هذه الحضارة أن تصبح الآن دولة من دول العالم الـ.. أقصد النامى؟" وعندما لم يجد منى جواباً أكمل: "أعتقد أن الدين هو السبب، إن المصريين لا يزالون من الشعوب المتدينة". كنت معتاداً على هذا الاستنتاج، فكثير من شباب أوروبا الآن من الملحدين الذين يرون فى الدين ضرباً من الرجعية بل وسبباً لأكثر شرور العالم من الحروب إلى المجاعات بل وحتى انتشار الأمراض. رددت عليه بما استطعت وبما فتح الله علي، ولفت انتباهه إلى أن الفراعنة أنفسهم كانوا أصحاب دين، وقلت له إن الدين لا يتحمل جرم من ينتسبون إليه. لم يرد علي، ولم أزد لاقتناعى أن حالنا يفقد الكلام مصداقيته، وأننا بحاجة إلى قدر أقل من الكلام وقدر أكبر من العمل حتى نكسب احترام الآخرين. ولكن هذا موضوع آخر.

المهم.. تضايقت من عدم قدرتى على إجابة هذا التساؤل، إننى فعلاً لا أعرف الإجابة.. أحسست بالتقصير وعافت نفسى الطعام ولم أستطع النوم تلك الليلة. كيف لنا وبلادنا مهد الحضارات أن نصبح اليوم عالةً على العالم؟ شغل بالى هذا التساؤل كثيراً فى الأيام التالية، أخذت أسترجع ما درسته وما قرأته، ما سمعته وما رأيته، وتقافزت فى مخيلتى كثير من الآفات التى بلينا أنفسنا بها. ولكن توجد دائماً مشكلة رئيسيةً وتوابع كثيرة تتسبب فى تفاقمها، وهناك دائماً شيء يجب القيام به أولاً لحل المشكلة الرئيسية، قبل التفرغ للتوابع. ما هى الآفة الرئيسية؟ لم أعرف..

انتهت أيامى فى الهند. كانت الطائرة ستقلع بعد منتصف الليل وتصل أوروبا فى الصباح. كنت سعيداً بذلك لأننى سأستطيع النوم طوال الليل، فقد كنت فى غاية التعب. أغمضت عيني ونعست على أزيز الطائرة، وبينما أنا بين النوم والاستيقاظ تذكرت قصة كان أبى حفظه الله يحكيها وأنا صغير: استعانت مصر بالخبرة الروسية لبناء السد العالى بأسوان جنوب مصر، وكان المهندسون الروس يعملون إلى جانب المهندسين المصريين فى بناء السد. وفى يوم بادر أحد المهندسين الروس زملاءه المصريين قائلاً: "إن الدول المتقدمة اعتمد كل منها على شيء واحد اشتهرت به وتبوأت به مكانة فى العالم، فمنها من اعتمد على الأرض الخصبة وأصبح يصدر للعالم الغذاء ومنها من اعتمد على المراعى وغزت منتجات ألبانه العالم ومنها من اعتمد على أرضه الغنية بالمعادن والثروات أو مصادر المياه، ومنها من كانت له شواطئ أو جبال، ومنها من اعتمد على السياحة، ومنها من اعتمد على الثروة البشرية، ومنها من اعتمد على موقعه الجغرافى أو خصوصية مناخه.. وأنتم المصريون لديكم كل شيء ولستم اليوم شيئاً"

كدت أقفز من مقعدى. نعم لا بد أن هذه هى إجابة السؤال. إننا لا نفتقد إلى الموارد والإمكانيات؛ فكما أن توافر العدد والعدة لجيش لا يضمن له الغلبة، فإن توافر الإمكانيات لا يضمن التقدم. إننا نفتقد إلى أهم عوامل النجاح، نفتقد إلى ما لا نجاح بدونه.. الاستراتيجية..

قبل أن أكمل، أعتقد أننى يجب أن أدرج مقدمة بسيطة عن الاستراتيجية. إن الاستراتيجية فن وعلم واسع تكتب فيه الكتب وتؤخذ فيه الدرجات العلمية ويكرم أصحابه. كان الإغريق هم أول من وضع أسس الاستراتيجية كواحد من العلوم العسكرية، وأصل الكلمة مشتق من كلمتى "الجيش" و"القيادة" باللغة الإغريقية القديمة. والاستراتيجية العسكرية هى فن إدارة القوات والموارد المتاحة من الجنود والمعدات والإمداد بالإضافة إلى الإمكانات الاقتصادية والقرار السياسى وتنسيق التحركات فى سبيل تحقيق الهدف وهو زيادة فرص النصر والاستفادة من توابعه الإيجابية والتقليل من احتمال الهزيمة وتجنب توابعها السلبية. وقد تطور علم الاستراتيجية على مدى العصور وتفرع إلى علوم مستقلة فى جُلّ أنواع العلوم الإنسانية المختلفة. فاليوم يوجد علم الإدارة الاستراتيجية، والاستراتيجية الاقتصادية، والسياسية، واستراتيجيات التسويق، والتجارة، والاستراتيجية المالية، والعلمية، والتعليمية، والصحية وغيرها.

الاستراتيجيةبالرغم من تغاير هذه العلوم فإنها تتفق فى تعريف الاستراتيجية كفن تحديد الأهداف بناءً على الإمكانيات المتاحة، ووضع خطط طويلة الأمد لتطويع هذه الإمكانات والوصول إلى نتائج تمكن من تحقيق الأهداف المحددة مسبقاً أو تطويرها بناءً على ما يستجد من نتائج. والاستراتيجية فى أبسط صورها، كما يوضح المخطط بجانب هذه الفقرة، هى علم يربط بين ثلاثة محاور: الأهداف والإمكانات والنتائج، ويحدد معاييراً لهذا الارتباط. إن أول خطوة فى وضع استراتيجية ما هى تحديد الأهداف. وبحسب علم الاستراتيجية فإن هذه الأهداف يجب أن تكون متسقة أو متناسبة مع الإمكانات المتاحة، فقيادة السيارة مثلاً لا تصلح أن تكون هدفاً لرجل ضرير. وثانياً يجب أن تُستغل الإمكانات المتاحة بكفاءة لتحقيق نتائج يكون المردود منها أكبر بكثير من الموارد التى سُخِّرت للوصول لتلك النتائج، فمثلاً عندما تذهب إلى متجر بعيد للشراء بأسعار أقل، فإن مقدار ما توفره يجب أن يكون أكبر من مقدار ما تدفعه فى المواصلات ومن قيمة الوقت المستغرق للذهاب هناك. وثالثاً فإن النتائج المتحققة يجب أن تكون فعالةً للوصول إلى الأهداف المرجوة، فكل نتيجة يجب أن تقربك خطوة ملموسة من الهدف، وإلا فإنه يجب مراجعة كيفية تطويع الإمكانيات للوصول إلى نتائج أكثر فعالية، فإذا كنت توفر النقود لشراء سيارة ولكن مقدار ما توفره من جراء ذهابك للمتجر البعيد لا يعد نسبة تذكر من ثمن السيارة، فإنك بحاجة للعثور على طريقة أخرى لتوفير النقود غير تغيير المتجر.

إن بناء استراتيجية جيدة وتنفيذها بمهارة هو العامل الأكثر تأثيراً فى تحقيق النجاح للأمم. وبدون استراتيجية لا يتحقق نجاح. وهذا ينطبق أيضاً على الجيوش والوزارات والشركات الكبيرة والصغيرة وأيضاً الفرق الرياضية بل وحتى على المستوى الشخصى. لماذا؟ لأنه بكل بساطة إذا لم يكن لديك هدف فى حياتك تسعى لتحقيقه وتسخر جهودك للوصول إليه فإن هذه الجهود أكثر ما تذهب هباء لأنها لا تؤدى جميعها إلى نفس الاتجاه. وإذا ما تصادف ووصلت إلى نتيجة جيدة فإن نجاحك النسبي سرعان ما يزول لأنك لن تستطيع الاستفادة إيجابياً من توابع هذا النجاح. ولتوضيح الفكرة، إذا قلنا مثلاً إن الجهود مثل خطوط الحافلات (الباصات) العمومية، فإذا لم تكن لك وجهة محددة تسعى للوصول إليها فإنك فى الأغلب ستدور فى دوائر مفرغة نازلاً من حافلة صاعداً لأخرى، وإذا مرت أحد الحافلات فى طريق "فرصة كبيرة" تتمثل فى ميدان رئيسي مثلاً، فإنه من المحتمل جداً ألا تنزل فى هذه المحطة، وإذا نزلت فى هذا الميدان فإن انتفاء الهدف من النزول سيكون حائلاً دون تحقيق النجاح المحتمل المترتب على وصولك هذا الميدان. لذلك فإن من لا يملك استراتيجية فى إدارة شئون حياته وبيته وأسرته لا يحقق نجاحاً متميزاً فى حياته وستصبح هذه الحياة على أحسن تقدير: عادية..

تعرف حالة انتفاء الاستراتيجية باسم "التخبط". والتخبط ويا أسفاه أصبح من سمات بلادنا وشعوبنا المميزة. لقد حاولت أن أعد قائمة بأشهر حالات التخبط فى بلادنا لأجل هذا المقال، وكم كانت دهشتى كبيرة وكم كان حزنى عميقاً للسهولة والسرعة التى ملأت بها هذه القائمة بعدد كبير من حالات انتفاء الاستراتيجية. سأذكر فقط القليل لأن توضيح الفكرة هو الهدف من المقال وليس نقل مشاعرى للقارئ. إن التخبط سمة لبلادنا فى الشدة والرخاء. فإذا كانت لدينا مشكلة فإننا نميل إلى تسكين الأعراض بدلاً من مواجهة أسباب المشكلة فى إطار أهداف محددة، والطبيعى أن يؤدى هذا إلى تفاقم المشكلة أو إيجاد مشاكل أخرى جديدة. وإذا فرغنا من المشاكل فإننا لا نحسن استغلال إمكاناتنا لتحقيق نجاح أو الاستعداد للمشاكل التى يمكن أن تواجهنا فى المستقبل. أتذكر مثلاً أنه خلال أعوامى المدرسية تغيرت عدد سنوات المرحلة الابتدائية فى مصر ثلاث مرات؛ كانت خمس سنوات ثم أصبحت ست سنوات ثم أُنقِصَت فأصبحت خمس ثم عادت ست، علام يدل ذلك؟ وفى مصر أيضاً، بُنِيَت المصانع على أجود الأراضى الزراعية وأُنفِقَت مئات الملايين لزراعة الـ"كانتالوب!" والفراولة فى الصحراء بينما تدفع المليارات سنوياً لاستيراد القمح والفول، وتترك المساحات الشاسعة من أراضى السودان الخصبة بلا مستغل، وبعد ثلاثين عاماً تكتشف السعودية أن القمح يستهلك كميات كبيرة من المياه وتقرر التخلى عن برنامجها لزراعة القمح بعد أن نجح فى أوجه فى إنتاج 4.5 مليون طن سنوياً، بينما يتوسع اليمنيون فى زراعة مخدِّر القات الذى يستهلك اليوم 90% من المياه الجوفية المتجددة فى اليمن سنوياً. وفى الخليج العربى تنفق أموال البترول فى بناء أبراج متطاولة خالية من السكان، وجزر اصطناعية ضخمة لا يسكنها إلا القليل، أما فى السعودية فيتم الإعلان عن مشروع ضخم يتكلف المليارات من الدولارات لتحويل الرياض إلى مدينة ساحلية بشق قناة إليها من الخليج العربى، وأتساءل ألا توجد أوجه أخرى لإنفاق هذه المليارات أولى من نقل مياه البحر إلى وسط هضبة نجد؟ وما هى الجدوى الاقتصادية لهذا المشروع؟ وللأسف فإنه حتى الجهود الطيبة والإنجازات ذهبت نتائجها هباء بسبب انعدام الاستراتيجية. فإذا تحدثنا مثلاً عن برنامج "القراءة للجميع" فى مصر، وهو جهد بنية طيبة، ولكن بعد أكثر من عقد من الزمان هل حقق هذا البرنامج أهدافه؟ بعد بحث طويل فوجئت أنه لا توجد أهداف محددة معلنة لهذا البرنامج.. ولا أدرى كيف سنتمكن من التأكد أن الميزانية الموضوعة فى خدمة هذا البرنامج يتم توظيفها بكفاءة، وكم تبلغ هذه الميزانية أصلاً؟؟ لا ندرى؟ ولذلك لا أستطيع أن أحكم عليه. فى رأيي الشخصى فإن هذا البرنامج لم ينجح فى زيادة عدد القارئين. على الأغلب فإن الذين كانوا أصلاً يقرأون أصبح لديهم فرصة أكبر لقراءة كتب أكثر بأسعار زهيدة، ولكن فى ظل الظروف الاقتصادية الراهنة فحتى هذا لا يمكننا الجزم به. ومثال آخر أشهر بكثير، حرب أكتوبر 1973. ففى يوم 6 أكتوبر الموافق العاشر من رمضان استطاعت القوات المسلحة المصرية عبور قناة السويس إلى الضفة الشرقية وتدمير خط بارليف الذى كان يعد أسطورة كأقوى خط عسكرى فى التاريخ، بالإضافة إلى تدمير عدد كبير من المدرعات والطائرات الحربية للعدو الإسرائيلى. لا شك أن هذا كان إنجازاً كبيراً، ولكن كل المصادر الغربية التى وقعت عيني عليها لا تشير إلى انتصار مصرى ومنها ما يؤكد انتصار إسرائيل فى هذه الحرب. نحن لا ننكر بالطبع الدور الذى يلعبه الصهاينة فى الإعلام العالمى، ولكن المصادر ذات المصداقية والموضوعية لا تهدى المصريين فرحة النصر وتشير أكثرها تساهلاً أن ما حققه المصريون فى هذا الحرب، صحيحٌ أنه لا يعد هزيمة ولكنه لا يرقى إلى النصر. والجدير بالذكر أن هذه التحليلات لا تستند إلى تحركات الجيوش وعدد الخسائر من الجنود والمعدات من الجانبين. بل إن هذه التحليلات احتكمت إلى النتائج المترتبة على هذه الحرب، فصحيح أن المصريين استطاعوا تحقيق نصر عسكرى فى البداية، ولكن هذا النصر العسكرى فى النطاق الضيق لم يترجم إلى نصر فى الحرب على نطاق أوسع. فما الذى استفادته مصر بعد الحرب؟ لقد تمكنت من استعادة كامل سيناء بعد الحرب بتسع سنين، كما أن صلاحيات الدولة فى سيناء لم تعد أبداً كما كانت قبل أن تُحتًل هذه الأرض فى يونيو 1967. لماذا لم يستفد المصريون من النجاح العسكرى الذى حققوه بعد عبور القناة وتحطيم خط بارليف؟ لأن من الواضح أنه لم توجد لديهم استراتيجية لا يكون فيها العبور هدفاً بحد ذاته ولكن مرحلة أو نتيجة يلزم تحقيقها فى إطار استراتيجية أوسع.

تحكى الأساطير الإغريقية عن الشاب "إيكاروس" الذى صنع والده"دايدالوس" له ولنفسه أجنحة من الشمع وريش الطيور ليحلقا بها فوق بحر إيجه. وبالرغم من أن الهدف من هذا الطيران لم يكن النزهة، بل كان الهرب من سجن الملك "مينوس"، فإن الشاب "إيكاروس" تجاهل تحذيرات والده له بعدم التحليق عالياً حتى لا يقترب من الشمس فتتسبب فى انصهار الشمع. وبالفعل، فما إن حلق الشاب عالياً حتى انصهر الجناحان من حرارة الشمس، ولقي "إيكاروس" حتفه غريقاً فى بحر إيجه.

يستشهد الباحثون فى علم الاستراتيجية بقصة إيكاروس للإشارة إلى المسبب الأكثر شيوعاً لانعدام أو التخلى عن الاستراتيجية. إن إعجاب "إيكاروس" بقوته وعنفوانه هو ما دفعه إلى تجاهل نصيحة والده ونسيان الهدف من هذا الطيران. والجدير بالذكر أن الوالد "دايدالوس" لم يكن واثقاً من قدرته على الطيران لفترة تسمح له بالوصول إلى بر الأمان نظراً لكبر سنه، ولم يرحل مع ابنه إلا ليكون دليلاً له على الطريق. ولكن الوالد بالرغم من ضعف جسده استطاع إتمام الرحلة، في حين كانت قوة "إيكاروس" وفتوته السبب فى سقوطه والقضاء عليه.

إن سكرة القوة هي عرض المرض القاتل الذى أصاب "إيكاروس" والذى أسماه الباحثون بعد ذلك بـ"المرض الأيبيري". و"أيبيريا" هى شبه الجزيرة الواقعة فى غرب أوروبا والتى كانت موطن دولة الأندلس الأموية، والتى تحوى اليوم دولتي إسبانيا والبرتغال بالإضافة إلى جبل طارق. وقصة هذه التسمية ترجع إلى عام 1494م فى مدينة توردسيلاس الإسبانية، حيث أجريت قمة بين الدولتين الاستعماريتين الأكبر فى العالم لتقسيم المستعمرات فيما بينهم. فى تلك الأيام لم يتواجد سوى قوتان فى العالم: إسبانيا والبرتغال، وكانت الفكرة الاتفاق على خط رأسي فى منتصف المحيط الأطلنطى بحيث يكون كل ما يقع شرق هذا الخط ملكاً للبرتغال (إفريقيا وآسيا) وكل ما يقع غربه ملكاً لإسبانيا (الأمريكيتين). لكن البرتغاليون كانوا أكثر حذقاً ومهارة فى التفاوض وأكثر اطلاعاً بعلم الجغرافيا، فسعوا إلى زحزحة الخط المقترح إلى الغرب أكثر بعدة مئات من الأميال. لم يعترض الأسبان على هذا الاقتراح ظناً منهم أن هذا لن يفقدهم إلا بعض الجزر الصغيرة لصالح البرتغاليين، وتم توثيق الاتفاق فى "معاهدة توردسيلاس" الشهيرة. لكن المفاجأة كانت أن البرتغاليين قد فازوا أيضاً بأكثر من نصف مساحة قارة أمريكا الجنوبية (البرازيل اليوم) فى حين احتفظت أسبانيا بما تبقى من غرب أمريكا الجنوبية بالإضافة إلى أمريكا الوسطى والشمالية. كانت "معاهدة توردسيلاس" نصراً كبيراً للبرتغاليين الذين حققت لهم استراتيجيتهم التوسعية الفوز بمستعمرات كبيرة تمتد من أفريقيا والجزيرة العربية إلى الهند وجنوب شرق آسياً وصولاً إلى أندونيسيا بالإضافة إلى مساحات شاسعة فى أمريكا الجنوبية. إن هذا الانتصار قد حقق للبرتغال الكثير من الثراء والقوة وأيضاً النشوة. ولكن هذا الإنجاز كان آخر ما تحقق للبرتغاليين لوقت طويل ولم يكن أمامهم من تحديات ربما سوى كيفية نقل الثروات المادية والبشرية الهائلة بين مستعمراتهم والوطن الأم. ولم يحسن البرتغاليون استغلال هذه القوة والثروة الطائلة ولم يهتموا بتطوير بنية صناعية وزراعية وعسكرية كما فعل الأسبان مثلاً. ونتيجة لذلك بعدما بدأوا يفقدون مستعمراتهم واحدة تلو الأخرى بالاستقلال أو لصالح قوى أخرى وجد البرتغاليون أنفسهم بلا شيء، وأصبحت البرتغال حتى وقت قريب واحدة من أفقر الدول فى أوروبا وأقلها تطوراً وعانى أهلها الكثير.

أما فى العصور الحديثة، فإن الباحثون فى علم الإدارة والأعمال يشيرون أيضاً إلى نفس المسبب للإصابة بالمرض القاتل المتمثل فى فقدان الاستراتيجية. وأورد بعض الباحثون أمثلة كثيرة لشركات عالمية ازدهرت وحققت الكثير من النجاح فى السبعينات والثمانينات ولم يعد لها وجود اليوم. والمثير للاهتمام فى هذه الدراسات أن بداية السقوط للهاوية أكثر ما تكون بعد تحقيق أرباح كبيرة ونجاح باهر، وهو ما تمت تسميته بمرض "الموت ثرياً". وإحدى القصص الشهيرة هى قصة شركة "بولارويد" المنتج الشهير للكاميرا الفورية. كان لشركة "بولارويد" استراتيجية واضحة تتمثل فى تحقيق تقدم تكنولوجى يتيح لمنتجاتها التميز عن المنافسين. وبالفعل، استطاعت "بولارويد" بفضل استراتيجيتها ابتكار الكاميرا الفورية التى لم يكن لها مثيل وحققت براءة الاختراع للشركة الكثير من النجاح. وبسبب الأرباح الكبيرة التى جنتها "بولارويد" من كاميراتها الفورية، قررت شركة منافسة هى "كوداك" تصنيع كاميرات فورية هى الأخرى، ولكنها لم تعتمد على تكنولوجيا مختلفة بل كانت كاميرات "كوداك" الفورية نسخة طبق الأصل من كاميرات "بولارويد" فى التكنولوجيا والتصميم بل وحتى الشكل الخارجى. لم تستسلم "بولارويد" لهذه السرقة ودخلت مع "كوداك" فى صراع قضائى مرير استمر أكثر من عشر سنوات، حتى تم الحكم لصالح "بولارويد" عام 1991م وقضت المحكمة بتوقف "كوداك" عن صناعة الكاميرات الفورية وبدفع تعويض قدره 925 مليون دولار لشركة "بولارويد". كان هذا انتصاراً كبيراً لـ"بولارويد" وارتفعت أسهم الشركة ارتفاعاً كبيراً. لقد كان وضع "بولارويد" المالى قوياً حتى قبل الحكم لصالحها، وقبل أن تهبط عليها ثروة إضافية من السماء بما يقارب المليار دولار. ولكن هذا الفوز كان أول مسمار دق فى نعش الشركة. فبدلاً من أن تستفيد الشركة بهذه الثروة وتقوم بتدعيم استراتيجيتها المتمثلة فى التفوق التكنولوجى، كانت هذه الثروة نقمة تسببت فى تخلى الشركة عن هذه الاستراتيجية. فبعد الفوز سارع كبار المديرين فى "بولارويد" بشراء سيارات فارهة بل وقامت الشركة بشراء مقر جديد فاخر مكسو بالرخام ومحاط بالحدائق التى اشترتها الشركة أيضاً فى منطقة كامبريدج الفاخرة. وللأسف أهملت الشركة الاستثمار فى التكنولوجيات الجديدة، ولم تنتبه إلى المنافسة الجديدة من التقنيات التى سمحت بتحميض الأفلام وطباعة الصور فى ساعة واحدة وبتكلفة زهيدة ومن تكنولوجيا الكاميرات الرقمية الواعدة التى بدأت فى غزو الأسواق. ونتيجة لذلك انزلقت "بولارويد" سريعاً فى دوامة الخسارة حتى أعلنت إفلاسها عام 2001م بعد أقل من 10 سنوات على فوزها بالمليار دولار.

أعود الآن إلى بلادنا وحالة التخبط المتفشية فيها. فبالرغم أن سكرة القوة هى السبب الأكثر شيوعاً لانعدام الاستراتيجية، إلا أنى لا أستطيع تطبيق التشخيص نفسه فى حالتنا. فلم تكن بلادنا ذات شأن حتى وقت قريب حتى أستطيع الادعاء أننا نعيش فى حالة من النشوة، بل إننا نعيش منذ عهود طويلة فى سلسلة من الضعف والانحطاط والتخلف. فى رأيي لقد أصبنا بداءٍ عضال أكثر فتكاً من مرض "الموت ثرياً". إننا نعيش حالة من الوهم والنوم فى العسل. إن الداء الذى أصابنا ليس النشوة بل هو داء "العيش فى الماضى". إننا ننظر إلى تاريخنا وحضارة بلادنا العظيمة وبدلاً من أن تكون حافزاً لنا للعمل والتقدم، أصبحنا نركن إلى الماضى البعيد ونضحك على أنفسنا بأن لنا قيمة. ربما تكون حكوماتنا مقصرة، ولكن المشكلة الكبرى هى أن شعوبنا نائمة. تناقشت مرة مع صديق لبنانى عزيز علي عن المشكلات فى لبنان وفوجئت به يحدثنى عن حضارة الآشوريين فى لبنان، وصديق آخر قريب لي فى السعودية قال لي بالحرف الواحد: "مهما يكن، نحن بلاد الحرمين ومهد رسالة الإسلام"، وتقابلت مرة مع زميل أتى من اليمن وتحدثت معه عن مشكلة القات، فأخذ يحدثنى عن مملكة سبأ.. أما عن مصر فإن شر البلية ما يضحك.. لقد أتيحت لى فرصة الحديث مع أحد المفوضين الأوروبيين الذى كان مسئولاً عن ملف توسيع الشراكة التجارية بين الاتحاد الأوروبى ودول البحر المتوسط، وكان يتحدث عن مقدار ما أنجز من مباحثات مع كل دولة، ولما بدأ يتحدث عن مصر قال إن الاتحاد الأوروبى يجد صعوبات فى المباحثات مع مصر بالذات، أوضحت له أننى مصرى ويهمنى أن أعرف سبب ذلك، فقال على حد تعبيره: "إن المصريين مقتنعون أنهم بحضارتهم التى تمتد لسبعة آلاف سنة ليسوا بحاجة إلى أفكار من أناس آخرين". احتفظت بهذه العبارة وتحدثت عنها مع صديق مصرى وقلت له ربما ينفعنا أن ننظر إلى تجارب الآخرين لنحل مشاكلنا الكثيرة، وعندما تطور الحوار قال لي:
- مصر برضه أم الدنيا
- (سألته) أم الدنيا؟ ليه؟ بأمارة إيه؟
- (بعد تفكير.. وبعدم اكتراث واضح) يعنى، كفاية إننا بنينا الأهرامات
- (متنهداً) نعم.. كفاية.. (صمت)

فليهنأ الأوروبيون الذين أتوا لاستكشاف الأهرامات والمقابر الفرعونية، ولا يلقوا بالاً إلى ما ينشر عن لعنة الفراعنة المخيفة.. فمن الواضح أن هذه اللعنة لم تنصب إلا على أهلها..

ابن الأرض الطيبة


أضف تعليقا

اضيف في 26 اكتوبر, 2008 03:55 م , من قبل thegoodlands said:

هذا المقال يقدم شرحاً مبسطاً لعلم الاستراتيجية وأهميته والآثار السلبية لانعدام الاستراتيجية.
سيكون لى ولبنت المستقبل مقال قادم إن شاء الله عن كيفية بناء استراتيجية ناجحة مع بعض الأمثلة واقتراح بعض الاستراتيجيات التى تتناسب مع إمكانيات بلادنا وتكون فيها الفائدة بإذن الله.

اضيف في 26 اكتوبر, 2008 08:06 م , من قبل متابع
من الولايات المتحدة said:

في رأيي أن ثقافة المجتمع المصري هي السبب الرئيسي في ما تمر به الدولة المصرية، وهناك عوامل تؤثر على الثقافة، مثل الدين والمؤسسات الدينية، التواكل على التاريخ أو الرب، التعامل مع الآخر، تحمل أو عدم تحمل المسئولية على المستوى الشخصي، نسبة الفاشية في المجتمع مقارنة بحرية الاختيار للفرد في جميع مجالات الحياة، ومن ضمنها الثقافة الشخصية، الدين، الحياة الأسرية...

إلخ إلخ إلخ...

اضيف في 27 اكتوبر, 2008 01:00 م , من قبل thegoodlands said:

الأخ "متابع" من الولايات المتحدة،
بصراحة لم أفهم ما الذى تقصده من تعليقك، لا أعتقد أن "الدين والحياة الأسرية" ينتج عنهما تأثيرات سلبية، ولا أظن أن هذا كان مقصدك..
أعذرنى، ولكن هذا التعليق الغامض بلا معنى، فأرجو منك التوضيح..

اضيف في 27 اكتوبر, 2008 01:09 م , من قبل almoghtariba
من مصر said:

اشكرك على دعوتك و تسعدنى صداقتكهذا مبدأيا
تانيا اقوللك انى ارفع لك القبعة اجلالا واحتراماعلى كل ما جاء بمقالك لقد وضعت اصبعك على موضع الالم
ليس مقالك يسرى على مصر لوحدا بل كل الدول العربية
فلقد حبانا الله بموقع متكامل فيه الارض الخصبة وفيع المياه وفيه المعادن والبترول وكل الوسائل التى لو استخدت احسن استخدام لكنا اغنى الشعوب لما وجد فينا فقير معدم لماا جاع الناس فى السودان والصومال لوجد كل شخص مسكنا وتوفرت لديه فرصة عمل بشكل او بأخر لا اقول سيكون الجميع اغنياء ولكن سيتوفر الضرورى ولن يوجد معدم مفلس
اننا نجيد الصراخ بالصوت العالى ولا نجيد التخطيط فكل منمسك الدفة ادارها ناحيته ونسى لم مسك الدفة و غرقت السفينة
شكرا لك على موضوعك ومعلوماتك قيمة

اضيف في 27 اكتوبر, 2008 02:02 م , من قبل thegoodlands said:

أختى المغتربة..
أعجبنى كثيراً تشبيهك لبلادنا بالسفينة التى أمسك كل من ركابها بدفة خاصة به يديرها ناحيته.. تعبير جميل جداً..
صدقتِ والله، إننا بحاجة إلى المزيد من الفقهاء وليس الخطباء. من المحزن فعلاً أن نرى كمية التعاسة الموجودة فى بلادنا ونحن من يفترض أن ننشر الخير بين أرجاء البشرية وأن نشع نوراً يضيء الأرض.. هدانا الله.. وشكراً لك..

اضيف في 27 اكتوبر, 2008 04:32 م , من قبل mashaly66
من مصر said:

أخى الفاضل أشكرك على مقالك ومرورك بمدونتى اليوم أسئل الله العظيم أن يمد بيننا جسور التواصل لما فيه خير البلاد والعباد .
أما وقد قيل عن الدين فلم تكن الأمة العربية فى أحسن أحوالها وسادوا الأرض ألا حين تمسكوا بدينهم أن الله يدعونا فى كتابه ألى العمل وألى تدبر الأيات الكونية وهى دعوة مباشرة للعلم أما ما حدث حين نسوا الدين فأنساهم الله أنفسهم وظهرت طوائف تتواكل على الله وأرتكنوا ألى الدعاء وترك العمل ألى جانب المنتفعين من أهل السلطة الذين باعوا أوطانهم حتى أخى الفاضل أنهم على مدار ما يقرب من ثلاثون عاما لم يحاولوا أن يصلوا للأكتفاء الذاتى من القمح
الحديث يطول ويطول وكنت أول ما دخلت للكتابة قمت بكتابة مقال رؤية مخلصة للنهوض بمصرنا وعروبتنا وأسلامنا ولكنى لم أكمل للأسف نظرا لفساد قد أستشرى حتى داخل الموقع
تقبل مرورى وتحياتى
أخيكم فى الله
محمود مشالى

اضيف في 27 اكتوبر, 2008 08:00 م , من قبل amoo2005
من فلسطين said:

قصة إيكاروس بذكرني بامريكيا وازمة الرهن العقاري لديها والتي ادت الى زلزلال عنيف اصاب الاقتصاد العالمي ، امريكيا تدفع ثمن غرورها وعنجهيتها كما دفعها إيكاروس ..

موضوعك خيتو مليء بالافكار والقضايا المتشعبة والتي يطول الحديث عنها ، ويبقى لي ان ادعو الله ان يحررنا من التبعية ، والفرصة الان متاحة لتشكيل اتحاد اقتصادي غربي على غرار الاتحادي الاوربي ، ينشل اقتصاد الدول العربية المهدد بالانهيار ويمكن عندها ممكن تصبح مصر من دول الريادة في العالم وتستطيعي ان تجيبي ذلك الاجنبي على سؤاله .. ..

تحياتي لكِ

ابو وديع

اضيف في 28 اكتوبر, 2008 05:55 م , من قبل bdlhmd61
من الجزائر said:

أشكرك أخي العزيز على دعوتك الكريمة الى صداقتك لقد أعجبني ذلك منك كثيرا وأعجبني مقالك الأجير هذا الذي كشف عن ثقافة واسعة وتفكير عميق وحبك الكبير لوطنك وأملك في أن تراه مزدهرا متقدما ينافس سائر الدول والشعوب المتقدمة وهذا صفات لو كانت في القليل من البشر لشاهدنا التغيير ولا سيما من ذوي النفوذ بارك الله فيك والى الأمام ليتنا نراك فاتحا حضاريا وعلميا لأوطاننا التي طال تخلفها وتأخرها نسأل الله السلامة.
أرجو منك في الأخير ابن الأرض الطيبة أن تفتح مدونتي وتمر عليها على أن تترك آثار سفرك عليها في توقيعات من تعاليق
على بعض مقالاتها مع تقديم النصح والتعليق بالسلب أو الاجاب

اضيف في 29 اكتوبر, 2008 01:45 ص , من قبل متابع
من الولايات المتحدة said:

المقصود هو أن هناك مجالات في الحياة تتعرض لنسب متفاوتة من الفاشية المجتمعية التي تتحكم في قدرة الفرد على الاختيار أو تقرير المصير على المستوى الشخصي، في مجالات مثل الدين والحياة الأسرية.

كمية هذه الفاشية تؤثر بالسلب أو الإيجاب على ثقافة المجتمع، وبالتالي على حالة الدولة بشكل عام، وخصوصا على المدى الطويل.

اضيف في 01 نوفمبر, 2008 09:23 ص , من قبل 12may65
من تونس said:

أخي العزيز ابن الأرض الطيّبة
دائما على العهد: التزام في الفكر وعمق في الطّرح وسلاسة في الأسلوب..
تسعدني بمقالاتك وتفرض عليّ احترامك وإكبار روحك.
مكّنك الله ممّا تروم وتشتهي، وفتح لك سبل الخير و النّجاح لأنّك بها جدير.
أخوك:لطفي(روح الشّاعر)

اضيف في 02 نوفمبر, 2008 12:10 ص , من قبل zaetawi
من المملكة العربية السعودية said:

بسم الله الرحمن الرحيم

اخي : ابن الارض الطيبة ( مصر)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الاستراتيجية العربية سيدي اصبح تملى عليهم وينفذوها حتى ولو كانت ضد مصلحتهم على ان يرضوا ساداتهم

من يريد عمل استراتيجية حقة لا بد وان يكون قادرا على تطبيقها حتى لوكانت خاطئة او غير نافعة
المهم ان يكون هو صاحبها وقادر على تطبيقها

بارك الله فيك اخي على اوضحت لنا

وتقبل مروري
ولك تقديري واحترامي
==ابو جاسم==

اضيف في 02 نوفمبر, 2008 10:05 ص , من قبل shouqnm
من فلسطين said:

موضوع حلو كتير وعميق وبداخله معاني كتيرة
اسلوب مميز كمان
يسلموووو
مع تمنياتي بمزيد من التوفيق
شووووووووق

اضيف في 04 نوفمبر, 2008 03:50 ص , من قبل mahmoudhamisa
من مصر said:

رغم طول المقال ولكن اهنئك على الاسلوب واختيار الموضوع والكلام العلمي
واعتقد ان مصر ستبقى الى ان يرث الله الارض ومن عليها من افضل بلاد الله في الارض
ولكن ما هى مصر الا شعبها
وشعب مصر الان ليس هو الشعب الذى يستحق ان يحيا عليها
شعب مصر الحقيقى هو شعب احمس ومينا
شعب عرابي وسعد زغلول
شعب جمال والسادات
الشعب الذى يحب بلده وشعب بلده اكثر من نفسه
ولا تشغله قضاياه الشخصية عن قضية بلده
وان يحب كل مواطن في بلده مثل حبه لنفسه
شعب عنده ضمير وطني وشخصى
هل هذا هو شعب مصر الان ؟؟
عندما يكون شعب مصر هكذا فستعود مصر الحقيقية الى الوجود وتكون لعنة الفراعنة على اعداءنا وليست علينا

اضيف في 05 نوفمبر, 2008 03:21 ص , من قبل ss218645 said:

السلام عليكم يابن الأرض الطيبة
بداية اسمح لى أن أرفع اليكم جزيل شكرى على هذه الرحلة الفكرية الجميلة التى استمتعنا فعلا بها
ثانيا اننى اتفق معك تماما فى غياب الاستراتيجية وما يترتب على ذلك , أنا كنت أسميها غياب التنظيم والادارة , لكنكم أوردتم التسمية الصحيحة التى كانت غائبة عنى
لم يكن الدين يوما سببا فى التخلف ولا كان الالحاد سببا فى التقدم والأمثلة أمامنا كثيرة ولكن حيز الكتابة محدود
بالنسبة لحرب أكتوبر ,كانت هناك استراتيجية تتلخص فى أن العالم لم يعد يهنم بقضيتنا , وعليه لابد من القيام بعمل يرفع من درجة حرارة القضية ويدفعها للصفوف الأولى من اهتمامات العالم ,كانت الامكانيات والموارد محدودة لذلك كان الهدف القيام بحرب محدودة تخترق بها مصر الحاجز الأسطورى المتمثل فى خط بارليف , ويلى ذلك مرحلة تفاوض للحصول على باقى الأرض , وتحريك القضية الفلسطينية للأمام, لكن انقلبت الموازيين حين تدخلت أمريكا بوجه سافر وكانت الامدادات العسكرية والاقتصادية الغير محدودة لاسرائيل لدرجة أن الطائرات الأمريكية كانت تهبط فى مطار العريش لتنزل منه الدبابات بكامل تموينها من وقود وذخبرة , وتدارك السادات ذلك بصورة سريعة فانتهز الفرصة لتغيير الاستراتيجية بناء على المستجدات تماما كما يفعل لاعب الشطرنج عندما يغير خطته بناء على مستجدات الخصم , لذلك أعلنها السادات صريحة فى خطاب مذاع أكد فيه أنه يحارب اسرائيل وهو قادر على ذلك , لكن الأمور الآن تشير الى تدخل أمريكا فى الحرب وهنا نقاط ثلاث يجب أن تؤخذ فى الحسبان أولها أننا ليس لنا شئ عند أمريكا حتى نحاربها ولكن لنا أرض عند اسرائيل نحارب من أجلها , الأمر الثانى أننا لانملك القدرة على محاربة أمريكابرغم تدخلها فى الحرب , الأمر الثالث أنه بما أن أمريكا قد تدخلت فعلا , فنحن لانريها أن تخرج من القضية ولكن عليها الاستمرار ليس بشكل عسكرى وانما بشكل سياسى لانهاء هذه المشكلة , ثم توجه الى الشعب المصرى موضحا أن مفاتيح اللعبة كلها فى يد أمريكا
( كان هناك خلاف بين مصر وأمريكا نتيجة الاتجاه المصرى نحو الاتحاد السوفيتى السابق وكانت تلك الفترة تتميز بالحرب الباردة بين المعسكرين الغربى والسوفيتى ) فى حين لم يف الاتحاد السوفيتى بالتزاماته فى الاتفاقيات الثنائية مع مصر ,حتى أن الأسلحة التى استخدمت فى حرب أكتوبر كانت قد تم عمل تعديلات عليها لتنا

اضيف في 05 نوفمبر, 2008 03:25 ص , من قبل ss218645 said:

(تكملة)
حتى أن الأسلحة التى استخدمت فى حرب أكتوبر كانت قد تم عمل تعديلات عليها لتناسب الخطة العسكرية المزمع القيام بها , علما بأن الأسلحة الواردة من روسيا برغم أنها قديمة الا أنه لم يكن مسموحا لمصر باستخدامها دون اذن مسبق , فلو نظرنا الى حرب أكتوبر سنجد أنه كانت هناك استراتيجية واعداد لهذه الحرب ولكن بصورة خاطفة وليست على المدى الطويل , لكن لم يمتد العمر بالسادات لاكمال استراتيجيته , ومن جاء بعده لم يكن عنده أى استراتيجية فتخبطت الأمور وطالت , أما عن أحاديث الأوربيون عن تلك الحرب فأنا لاأعتد بها , والفضل ما شهدت به الأعداء , يكفى تحطيم الخط الأسطورة والذى كثر التليل والدعاية له بأنه لايقهر وبأن الجندى الاسرائيلى لايقهر , لقد قمنا بأسر لواء دبابات كامل بأسلته وجنوده وقائده وعرض على شاشات التلفزيون , انهم يحاولون تقزيم ذاك الانتصار .
أما الآن فلا استراتيجية ولا تنظيم ولا ادارة ولا شئ اطلاقا سوى المجد الشخصى والثراء الشخصى على حساب الجياع , بالنسبة لباقى الدول العربية فالأمر مدعاة للحزن وربما أيضا للقرف (معذرة على استخدام هذا اللفظ , لكن ليس هناك لفظ آخر يعطى المدلول )
شئ آخر لابد من ذكره وهو أننا فعلا نمتلك كافة الامكانات , لكن نظرتنا قصيرة لاتبتعد كثيرا عن موطئ أقدامنا فى حين عدونا يكرس كافة الامكانيات ويضع الاستراتيجيات ل:
1- ابقائنا فى حالة التخلف بل العمل على زيادة هذه النسبة كلما أمكن
2- زعزعة الثقة بالنفس لدى القادة ولدى الشعوب
3- محاصرتنا داخل حلقة مفرغة دون السماح بالخروج منها
4- وللأسف وقع الجميع فى المصيدة
أطلت كثيرا عليكم فمعذرة ولكن الجرح عميق عميق عميق
نأمل فى المزيد من دراساتكم الجادة والشيقة
شكرا ومع تحياتى ***محمود سالم

اضيف في 05 نوفمبر, 2008 05:55 م , من قبل emaa91
من مصر said:

كنت دائما بسمع
عن الاانسان
اللى تعمل
له جنا حين
وما كنتش اعرف مين
ولاى ايه اسبب
اشكرك اخى
مقالك قيم جدا
وانا يشرفنى
صداقتك الجميله
با لتوفيق دائما \ ايمان

اضيف في 09 نوفمبر, 2008 11:18 م , من قبل thegoodlands said:

أشكرك أستاذ محمود كثيراً على الإفادة والتفاصيل التى أثرت المقال كثيراً. لقد كنتَ أحد أبطال تلك الحرب في حين كان سنى صغيراً جداً فى تلك الأيام، لذلك فإن المعلومات التى أضفتَها عالية المصداقية، فشكراً لك..
وشكراً لجميع الأصدقاء على الإطراء الذى لا أستحقه.. أنتم الأفضل إن شاء الله..
ابن الأرض الطيبة

اضيف في 11 نوفمبر, 2008 02:26 م , من قبل adelnasser55
من مصر said:

احييك واشكرك كثيرا واتمنى لك مزيد من الرقى والابداع وانتظر جديدك ....عادل

اضيف في 12 نوفمبر, 2008 07:58 ص , من قبل imadalyounis
من النمسا said:

الاخ الفاضل ابن الارض الطيبه
السلام عليكم
نفس المصيبه التي ابتليت بها مصر ابتلينا بها في الغراق "غياب الاستراتيجيه
عليك نور كما يقال في اللهجه المصريه
حيث الاهداف النبيلة اهداف الرئيس الراحل الشهيد صدام حسين والامكانات العراقيه الكبيره لكن نقص الاستراتيجيه
ومستجدات الساحه الدوليه سقوط الاتحاد السوفيتي وهيمنة امريكا هو الذي اودى بنا الى ما اودى وانا لله وانا ايه راجعون. سقت هذا المثال المرير مثال الدوله العراقيه تاييدا لمقالك الرصين
سلمت يداك اخي الفاضل ودمتم لحير هذه الامة المبتلاة.
شكرا لدعوتك تقبلني اخا وصديثا

عماد اليونس /العراق

اضيف في 12 نوفمبر, 2008 06:14 م , من قبل zohd53
من لإمارات العربية المتحدة said:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,

اشكرك أخي الكريم جزيل الشكر على ماقدمت من شرح مبسط ومستتفيض عن موضوع الإستراتيجيه ورغم اني غير ملم ه بالشؤون السياسيه والإقتصاديه لكن اسمح لي ان اقول ان من اشد اسباب تخلفنا في العصر الحديث هي الحروب التي تشن عليناوعهود الإستعمار التي عايشتها امتنا فنحن لانكاد ننتهي من عهد استعماري حتى نغرق في عهد استعماري
آخر اشد ضراوه .إن الطامعين في ارضنا وخيراتنا كثر.لذلك اصبح جل اهتمامنا الدفاع عن أننفسنا بالخنوع فمن يعارض تدمر بلاده وتذهب اوطانه وتسلب ممتلكاته.سبب آخر هو التفكك الحاصل بين الأمه الواحده وبعد ان كنا وطنا واحدا وامه واحدة لاتفصل بين اقطارها حدود اصبحنا عدةدول وكل منا يخون الآخر ويخونه . وانا عاتبة على اخواننا المصريين إذ انهم هم الذين ابتعدوا عن الامه العربيه مع ان مصر العمود الفقري للأمه العربيه .هانتم ذاتتكلمون عن مصر وحضارتها الفرعونيه الخالده وتنسون ان الأبجديه كان مصدرها سوريه.بالتأكيدهذا ليس موضوعنا
وطبعا انا اتمنى الخير الكل الدول العربيه.لكن قبل ان نتكلم عن الإستراتيجيه بمعناه المطلق دعنا نتكلم عن كيفية الخروج من هذه المأزق
التي اغرقنا انفسنا بها وذلك لن يكون إلا بوحدة الصف العربي .جل مانحتاجه هو استراتيجيه توحدنا لأن الدم واحد والأرض واحد والمستقبل واحد اما خير للكل اوشر على الكل وهذا مالا نتمناه لأمتناولا لأحد. "لن يغير الله مافي قوم حتى يغيروا مافي انفسهم"
جزاك اله خيرا
عن هذا المقال خير الجزاء

اضيف في 12 نوفمبر, 2008 09:36 م , من قبل luna73
من فلسطين said:

عزيزي واخي

مذهولة جدا لما تمتعت به من قراءة لهذا

الموضوع المميز .... والاسلوب الراقي

بفنه وذوقه... رائع عزيزي

لك كل التقدير والشكر والاحترام ...



تحــــــــاتي .....

اضيف في 15 نوفمبر, 2008 12:23 م , من قبل randaelgundi said:

وجدت هنا الكثير من النور
لاتحزن التخبط يقود لمحاولة الأتزان من جديد..
نحن الآن بأدنى حالاته هذا يعنى اننا سنحاول البحث عن النور
والخروج من النفق المظلم

تمتعت جداً بالقراءة هنا والأسلوب السهل الممتنع والمنطقى جدابآن

دام النور بأرض حرفك قنديلاً يضيء العقول

احترامى وتقديرى ابن الأرض

اضيف في 16 نوفمبر, 2008 09:13 م , من قبل safahodawoud
من مصر said:

تحياتى اخى ابن الارض الطيبة وأختى بنت المستقبل
عندما أدخل مدونتك أحس أن الدنيا مازالت بخير وأن حب الوطن فى قلوبنا مهما طال البعاد عنها و تؤكد أن البعد ليس بالمسافات
اسمح لى أخى أن أقدم لكم التحية والاحترام على كل ما تقدمونه وعلى هذه الروح الطيبة المحبة للوطن
مقال رائع ومفيد جدا أتمنى أن نأخذ به ونستفيد منه ان شاء الله
تحياتى وتقديرى لكم

اضيف في 17 نوفمبر, 2008 03:46 م , من قبل mama2007
من فلسطين said:

اسعدالله اوقاتك
الارض الطيبه تنبت نبات طيب
سعدت جدا بمروري بمدونتك
المليئه بالمواضيع الرائعه والهادفه
تحياتي لك

اضيف في 17 نوفمبر, 2008 10:09 م , من قبل caraza
من مصر said:

السلام عليكم
موضوع راثع ومهم ، للأسف الشعوب العربية ليس لديها أهداف ولا أستراتيجيات وأناس كثيرون ليس لهم هدف في حياتهم عايشين كدا وخلاص وهذا ما نشأوا وتربوا عليه أن يعيشو بلا هدف ولا معنى وأن يكونوا جنب الحيط بل داخل الحيط
أتمنى أن يتغير الوضع وأن تحدث نهضة
أشكرك جاري العزيز للتطرق لهذه المواضيع القيمة وأحييك على أراءك وافكارك الجميلة
تحياتي لك
أختك كرزة

اضيف في 07 ديسمبر, 2008 09:27 ص , من قبل safahodawoud
من مصر said:

تحياتى اليك اخى ابن الارض الطيبة والى اختى بنت المستقبل
كل عام وانتم بخير
لم اجد اروع من هذه الصفحة لكى اكتب لكم فيها اروع ايات الشكر على ما تكتبوه وعلى روحكم الطيبة المحبة للخير وللوطن
وارسل لكم ارق التهانى
كل عام وانتم بخير
وسلامى الى الملائكة الحلوين
وربنا يبارك فيهم
عيد سعيد
اجمل التهانى وارق التحايا محملة بعبير الزهور من الارض الطيبة الى القلوب الطيبة
صفاء داود

اضيف في 07 ديسمبر, 2008 05:35 م , من قبل saidjamous
من المملكة العربية السعودية said:

كل عام وانتم بخير
استراتيجية العالم الذي اختاره الله لقيادة العالم هي وصية محمد صلى الله عليه وسلم :
العقيدة الصحيحة والتوحيد الخالص
التكاثر وتعدد الزوجات
ولقد قامت محاولة ناجحة في مصر بعد الانحطاط الفاطمي على يد نور الدين زنكي وجنده صلاح الدين ومن معه وقد نجحت
قامت المحاولة على
اغلاق الازهر
عودة السنة
الابتداء بحرب الأعداء
ولقد نجحت في حطين وفي عين جالوت
ثم بعد خيانة بيبرس بقتل قطز
وابدال العز ابن عبد السلام بخضر الكردي المتهتك
واعادة فتح الازهر
تدرج الانحطاط الخلقي والديني والاجتماعي الى ما ترى
لا يصلح هذا الامر الا بما صلح به اوله
مع اجمل التحيات

اضيف في 21 يناير, 2009 01:43 ص , من قبل hanash0999 said:

كم اتمنى ان يكون لنا استراتيجية
معدة بعنايه تخدم مجتمعاتنا العربية
لتخرجها مما هي فيه
فعلا نحن بحاجة الى من يتبنى الفكرة للنهوض بالامه بدلا من ان نكون هدفاً
لاستراتيجيات اعداءنا
واعتقد ان منظماتنا ومؤتمراتنا فشلت
في تحديد الهدف وبتالي تعطلت الخطط
وعلينا البقاء والانتظار
لمنظرين ومنفذين جدد
ليحققوا الحلم

اضيف في 23 يونيو, 2009 05:23 م , من قبل Tadwina
من مصر said:

مرحباً
لقد قام أحد المعجبين بمدونتك بإضافتها إلى تدوينة دوت كوم، بيت المدونات العربية.

قام فريق المحررين بمراجعة مدونتك و تصنيفها و تحرير بياناتها، حتى يتمكن زوار الموقع و محركات البحث من إيجادها و متابعتها.
يمكنك متابعة مدونتك على الرابط التالى:
http://www.tadwina.com/feed/844

يمكنك متابعة باقى مدونات تدوينة دوت كوم على الرابط التالى:
http://www.tadwina.com

لعمل أى تغييرات فى بيانات مدونتك أو لإقتراح مدونات أخرى لا تتردد فى الإتصال بنا من خلال الموقع.

و لكم جزيل الشكر،

فريق عمل تدوينة دوت كوم.
http://www.tadwina.com



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
TopOfBlogs