انتهت أيامى فى الهند. كانت الطائرة ستقلع بعد منتصف الليل وتصل أوروبا فى الصباح. كنت سعيداً بذلك لأننى سأستطيع النوم طوال الليل، فقد كنت فى غاية التعب. أغمضت عيني ونعست على أزيز الطائرة، وبينما أنا بين النوم والاستيقاظ تذكرت قصة كان أبى حفظه الله يحكيها وأنا صغير: استعانت مصر بالخبرة الروسية لبناء السد العالى بأسوان جنوب مصر، وكان المهندسون الروس يعملون إلى جانب المهندسين المصريين فى بناء السد. وفى يوم بادر أحد المهندسين الروس زملاءه المصريين قائلاً: "إن الدول المتقدمة اعتمد كل منها على شيء واحد اشتهرت به وتبوأت به مكانة فى العالم، فمنها من اعتمد على الأرض الخصبة وأصبح يصدر للعالم الغذاء ومنها من اعتمد على المراعى وغزت منتجات ألبانه العالم ومنها من اعتمد على أرضه الغنية بالمعادن والثروات أو مصادر المياه، ومنها من كانت له شواطئ أو جبال، ومنها من اعتمد على السياحة، ومنها من اعتمد على الثروة البشرية، ومنها من اعتمد على موقعه الجغرافى أو خصوصية مناخه.. وأنتم المصريون لديكم كل شيء ولستم اليوم شيئاً"
كدت أقفز من مقعدى. نعم لا بد أن هذه هى إجابة السؤال. إننا لا نفتقد إلى الموارد والإمكانيات؛ فكما أن توافر العدد والعدة لجيش لا يضمن له الغلبة، فإن توافر الإمكانيات لا يضمن التقدم. إننا نفتقد إلى أهم عوامل النجاح، نفتقد إلى ما لا نجاح بدونه.. الاستراتيجية..
قبل أن أكمل، أعتقد أننى يجب أن أدرج مقدمة بسيطة عن الاستراتيجية. إن الاستراتيجية فن وعلم واسع تكتب فيه الكتب وتؤخذ فيه الدرجات العلمية ويكرم أصحابه. كان الإغريق هم أول من وضع أسس الاستراتيجية كواحد من العلوم العسكرية، وأصل الكلمة مشتق من كلمتى "الجيش" و"القيادة" باللغة الإغريقية القديمة. والاستراتيجية العسكرية هى فن إدارة القوات والموارد المتاحة من الجنود والمعدات والإمداد بالإضافة إلى الإمكانات الاقتصادية والقرار السياسى وتنسيق التحركات فى سبيل تحقيق الهدف وهو زيادة فرص النصر والاستفادة من توابعه الإيجابية والتقليل من احتمال الهزيمة وتجنب توابعها السلبية. وقد تطور علم الاستراتيجية على مدى العصور وتفرع إلى علوم مستقلة فى جُلّ أنواع العلوم الإنسانية المختلفة. فاليوم يوجد علم الإدارة الاستراتيجية، والاستراتيجية الاقتصادية، والسياسية، واستراتيجيات التسويق، والتجارة، والاستراتيجية المالية، والعلمية، والتعليمية، والصحية وغيرها.
بالرغم من تغاير هذه العلوم فإنها تتفق فى تعريف الاستراتيجية كفن تحديد الأهداف بناءً على الإمكانيات المتاحة،
ووضع خطط طويلة الأمد لتطويع هذه الإمكانات والوصول إلى نتائج تمكن من
تحقيق الأهداف المحددة مسبقاً أو تطويرها بناءً على ما يستجد من نتائج.
والاستراتيجية فى أبسط صورها، كما يوضح المخطط
بجانب هذه الفقرة، هى علم يربط بين ثلاثة محاور: الأهداف والإمكانات
والنتائج، ويحدد معاييراً لهذا الارتباط. إن أول خطوة فى وضع استراتيجية
ما هى تحديد الأهداف. وبحسب علم الاستراتيجية فإن هذه الأهداف يجب أن تكون
متسقة أو متناسبة مع الإمكانات المتاحة، فقيادة السيارة مثلاً لا تصلح أن
تكون هدفاً لرجل ضرير. وثانياً يجب أن تُستغل الإمكانات المتاحة بكفاءة
لتحقيق نتائج يكون المردود منها أكبر بكثير من الموارد التى سُخِّرت
للوصول لتلك النتائج، فمثلاً عندما تذهب إلى متجر بعيد للشراء بأسعار أقل،
فإن مقدار ما توفره يجب أن يكون أكبر من مقدار ما تدفعه فى المواصلات ومن
قيمة الوقت المستغرق للذهاب هناك. وثالثاً فإن النتائج المتحققة يجب أن
تكون فعالةً للوصول إلى الأهداف المرجوة، فكل نتيجة يجب أن تقربك خطوة
ملموسة من الهدف، وإلا فإنه يجب مراجعة كيفية تطويع الإمكانيات للوصول إلى
نتائج أكثر فعالية، فإذا كنت توفر النقود لشراء سيارة ولكن مقدار ما توفره
من جراء ذهابك للمتجر البعيد لا يعد نسبة تذكر من ثمن السيارة، فإنك بحاجة
للعثور على طريقة أخرى لتوفير النقود غير تغيير المتجر.إن بناء استراتيجية جيدة وتنفيذها بمهارة هو العامل الأكثر تأثيراً فى تحقيق النجاح للأمم. وبدون استراتيجية لا يتحقق نجاح. وهذا ينطبق أيضاً على الجيوش والوزارات والشركات الكبيرة والصغيرة وأيضاً الفرق الرياضية بل وحتى على المستوى الشخصى. لماذا؟ لأنه بكل بساطة إذا لم يكن لديك هدف فى حياتك تسعى لتحقيقه وتسخر جهودك للوصول إليه فإن هذه الجهود أكثر ما تذهب هباء لأنها لا تؤدى جميعها إلى نفس الاتجاه. وإذا ما تصادف ووصلت إلى نتيجة جيدة فإن نجاحك النسبي سرعان ما يزول لأنك لن تستطيع الاستفادة إيجابياً من توابع هذا النجاح. ولتوضيح الفكرة، إذا قلنا مثلاً إن الجهود مثل خطوط الحافلات (الباصات) العمومية، فإذا لم تكن لك وجهة محددة تسعى للوصول إليها فإنك فى الأغلب ستدور فى دوائر مفرغة نازلاً من حافلة صاعداً لأخرى، وإذا مرت أحد الحافلات فى طريق "فرصة كبيرة" تتمثل فى ميدان رئيسي مثلاً، فإنه من المحتمل جداً ألا تنزل فى هذه المحطة، وإذا نزلت فى هذا الميدان فإن انتفاء الهدف من النزول سيكون حائلاً دون تحقيق النجاح المحتمل المترتب على وصولك هذا الميدان. لذلك فإن من لا يملك استراتيجية فى إدارة شئون حياته وبيته وأسرته لا يحقق نجاحاً متميزاً فى حياته وستصبح هذه الحياة على أحسن تقدير: عادية..
يستشهد الباحثون فى علم الاستراتيجية بقصة إيكاروس للإشارة إلى المسبب الأكثر شيوعاً لانعدام أو التخلى عن الاستراتيجية. إن إعجاب "إيكاروس" بقوته وعنفوانه هو ما دفعه إلى تجاهل نصيحة والده ونسيان الهدف من هذا الطيران. والجدير بالذكر أن الوالد "دايدالوس" لم يكن واثقاً من قدرته على الطيران لفترة تسمح له بالوصول إلى بر الأمان نظراً لكبر سنه، ولم يرحل مع ابنه إلا ليكون دليلاً له على الطريق. ولكن الوالد بالرغم من ضعف جسده استطاع إتمام الرحلة، في حين كانت قوة "إيكاروس" وفتوته السبب فى سقوطه والقضاء عليه.
إن سكرة القوة هي عرض المرض القاتل الذى أصاب "إيكاروس" والذى أسماه الباحثون بعد ذلك بـ"المرض الأيبيري". و"أيبيريا" هى شبه الجزيرة الواقعة فى غرب أوروبا والتى كانت موطن دولة الأندلس الأموية، والتى تحوى اليوم دولتي إسبانيا والبرتغال بالإضافة إلى جبل طارق. وقصة هذه التسمية ترجع إلى عام 1494م فى مدينة توردسيلاس الإسبانية، حيث أجريت قمة بين الدولتين الاستعماريتين الأكبر فى العالم لتقسيم المستعمرات فيما بينهم. فى تلك الأيام لم يتواجد سوى قوتان فى العالم: إسبانيا والبرتغال، وكانت الفكرة الاتفاق على خط رأسي فى منتصف المحيط الأطلنطى بحيث يكون كل ما يقع شرق هذا الخط ملكاً للبرتغال (إفريقيا وآسيا) وكل ما يقع غربه ملكاً لإسبانيا (الأمريكيتين). لكن البرتغاليون كانوا أكثر حذقاً ومهارة فى التفاوض وأكثر اطلاعاً بعلم الجغرافيا، فسعوا إلى زحزحة الخط المقترح إلى الغرب أكثر بعدة مئات من الأميال. لم يعترض الأسبان على هذا الاقتراح ظناً منهم أن هذا لن يفقدهم إلا بعض الجزر الصغيرة لصالح البرتغاليين، وتم توثيق الاتفاق فى "معاهدة توردسيلاس" الشهيرة. لكن المفاجأة كانت أن البرتغاليين قد فازوا أيضاً بأكثر من نصف مساحة قارة أمريكا الجنوبية (البرازيل اليوم) فى حين احتفظت أسبانيا بما تبقى من غرب أمريكا الجنوبية بالإضافة إلى أمريكا الوسطى والشمالية. كانت "معاهدة توردسيلاس" نصراً كبيراً للبرتغاليين الذين حققت لهم استراتيجيتهم التوسعية الفوز بمستعمرات كبيرة تمتد من أفريقيا والجزيرة العربية إلى الهند وجنوب شرق آسياً وصولاً إلى أندونيسيا بالإضافة إلى مساحات شاسعة فى أمريكا الجنوبية. إن هذا الانتصار قد حقق للبرتغال الكثير من الثراء والقوة وأيضاً النشوة. ولكن هذا الإنجاز كان آخر ما تحقق للبرتغاليين لوقت طويل ولم يكن أمامهم من تحديات ربما سوى كيفية نقل الثروات المادية والبشرية الهائلة بين مستعمراتهم والوطن الأم. ولم يحسن البرتغاليون استغلال هذه القوة والثروة الطائلة ولم يهتموا بتطوير بنية صناعية وزراعية وعسكرية كما فعل الأسبان مثلاً. ونتيجة لذلك بعدما بدأوا يفقدون مستعمراتهم واحدة تلو الأخرى بالاستقلال أو لصالح قوى أخرى وجد البرتغاليون أنفسهم بلا شيء، وأصبحت البرتغال حتى وقت قريب واحدة من أفقر الدول فى أوروبا وأقلها تطوراً وعانى أهلها الكثير.
أما فى العصور الحديثة، فإن الباحثون فى علم الإدارة والأعمال يشيرون أيضاً إلى نفس المسبب للإصابة بالمرض القاتل المتمثل فى فقدان الاستراتيجية. وأورد بعض الباحثون أمثلة كثيرة لشركات عالمية ازدهرت وحققت الكثير من النجاح فى السبعينات والثمانينات ولم يعد لها وجود اليوم. والمثير للاهتمام فى هذه الدراسات أن بداية السقوط للهاوية أكثر ما تكون بعد تحقيق أرباح كبيرة ونجاح باهر، وهو ما تمت تسميته بمرض "الموت ثرياً". وإحدى القصص الشهيرة هى قصة شركة "بولارويد" المنتج الشهير للكاميرا الفورية. كان لشركة "بولارويد" استراتيجية واضحة تتمثل فى تحقيق تقدم تكنولوجى يتيح لمنتجاتها التميز عن المنافسين. وبالفعل، استطاعت "بولارويد" بفضل استراتيجيتها ابتكار الكاميرا الفورية التى لم يكن لها مثيل وحققت براءة الاختراع للشركة الكثير من النجاح. وبسبب الأرباح الكبيرة التى جنتها "بولارويد" من كاميراتها الفورية، قررت شركة منافسة هى "كوداك" تصنيع كاميرات فورية هى الأخرى، ولكنها لم تعتمد على تكنولوجيا مختلفة بل كانت كاميرات "كوداك" الفورية نسخة طبق الأصل من كاميرات "بولارويد" فى التكنولوجيا والتصميم بل وحتى الشكل الخارجى. لم تستسلم "بولارويد" لهذه السرقة ودخلت مع "كوداك" فى صراع قضائى مرير استمر أكثر من عشر سنوات، حتى تم الحكم لصالح "بولارويد" عام 1991م وقضت المحكمة بتوقف "كوداك" عن صناعة الكاميرات الفورية وبدفع تعويض قدره 925 مليون دولار لشركة "بولارويد". كان هذا انتصاراً كبيراً لـ"بولارويد" وارتفعت أسهم الشركة ارتفاعاً كبيراً. لقد كان وضع "بولارويد" المالى قوياً حتى قبل الحكم لصالحها، وقبل أن تهبط عليها ثروة إضافية من السماء بما يقارب المليار دولار. ولكن هذا الفوز كان أول مسمار دق فى نعش الشركة. فبدلاً من أن تستفيد الشركة بهذه الثروة وتقوم بتدعيم استراتيجيتها المتمثلة فى التفوق التكنولوجى، كانت هذه الثروة نقمة تسببت فى تخلى الشركة عن هذه الاستراتيجية. فبعد الفوز سارع كبار المديرين فى "بولارويد" بشراء سيارات فارهة بل وقامت الشركة بشراء مقر جديد فاخر مكسو بالرخام ومحاط بالحدائق التى اشترتها الشركة أيضاً فى منطقة كامبريدج الفاخرة. وللأسف أهملت الشركة الاستثمار فى التكنولوجيات الجديدة، ولم تنتبه إلى المنافسة الجديدة من التقنيات التى سمحت بتحميض الأفلام وطباعة الصور فى ساعة واحدة وبتكلفة زهيدة ومن تكنولوجيا الكاميرات الرقمية الواعدة التى بدأت فى غزو الأسواق. ونتيجة لذلك انزلقت "بولارويد" سريعاً فى دوامة الخسارة حتى أعلنت إفلاسها عام 2001م بعد أقل من 10 سنوات على فوزها بالمليار دولار.
أعود الآن إلى بلادنا وحالة التخبط المتفشية فيها. فبالرغم أن سكرة القوة هى السبب الأكثر شيوعاً لانعدام الاستراتيجية، إلا أنى لا أستطيع تطبيق التشخيص نفسه فى حالتنا. فلم تكن بلادنا ذات شأن حتى وقت قريب حتى أستطيع الادعاء أننا نعيش فى حالة من النشوة، بل إننا نعيش منذ عهود طويلة فى سلسلة من الضعف والانحطاط والتخلف. فى رأيي لقد أصبنا بداءٍ عضال أكثر فتكاً من مرض "الموت ثرياً". إننا نعيش حالة من الوهم والنوم فى العسل. إن الداء الذى أصابنا ليس النشوة بل هو داء "العيش فى الماضى". إننا ننظر إلى تاريخنا وحضارة بلادنا العظيمة وبدلاً من أن تكون حافزاً لنا للعمل والتقدم، أصبحنا نركن إلى الماضى البعيد ونضحك على أنفسنا بأن لنا قيمة. ربما تكون حكوماتنا مقصرة، ولكن المشكلة الكبرى هى أن شعوبنا نائمة. تناقشت مرة مع صديق لبنانى عزيز علي عن المشكلات فى لبنان وفوجئت به يحدثنى عن حضارة الآشوريين فى لبنان، وصديق آخر قريب لي فى السعودية قال لي بالحرف الواحد: "مهما يكن، نحن بلاد الحرمين ومهد رسالة الإسلام"، وتقابلت مرة مع زميل أتى من اليمن وتحدثت معه عن مشكلة القات، فأخذ يحدثنى عن مملكة سبأ.. أما عن مصر فإن شر البلية ما يضحك.. لقد أتيحت لى فرصة الحديث مع أحد المفوضين الأوروبيين الذى كان مسئولاً عن ملف توسيع الشراكة التجارية بين الاتحاد الأوروبى ودول البحر المتوسط، وكان يتحدث عن مقدار ما أنجز من مباحثات مع كل دولة، ولما بدأ يتحدث عن مصر قال إن الاتحاد الأوروبى يجد صعوبات فى المباحثات مع مصر بالذات، أوضحت له أننى مصرى ويهمنى أن أعرف سبب ذلك، فقال على حد تعبيره: "إن المصريين مقتنعون أنهم بحضارتهم التى تمتد لسبعة آلاف سنة ليسوا بحاجة إلى أفكار من أناس آخرين". احتفظت بهذه العبارة وتحدثت عنها مع صديق مصرى وقلت له ربما ينفعنا أن ننظر إلى تجارب الآخرين لنحل مشاكلنا الكثيرة، وعندما تطور الحوار قال لي:
- مصر برضه أم الدنيا
- (سألته) أم الدنيا؟ ليه؟ بأمارة إيه؟
- (بعد تفكير.. وبعدم اكتراث واضح) يعنى، كفاية إننا بنينا الأهرامات
- (متنهداً) نعم.. كفاية.. (صمت)
فليهنأ الأوروبيون الذين أتوا لاستكشاف الأهرامات والمقابر الفرعونية، ولا يلقوا بالاً إلى ما ينشر عن لعنة الفراعنة المخيفة.. فمن الواضح أن هذه اللعنة لم تنصب إلا على أهلها..
ابن الأرض الطيبة






said:


said:


said:

said:

said:

said:






said:

said:











هذا المقال يقدم شرحاً مبسطاً لعلم الاستراتيجية وأهميته والآثار السلبية لانعدام الاستراتيجية.
سيكون لى ولبنت المستقبل مقال قادم إن شاء الله عن كيفية بناء استراتيجية ناجحة مع بعض الأمثلة واقتراح بعض الاستراتيجيات التى تتناسب مع إمكانيات بلادنا وتكون فيها الفائدة بإذن الله.